|
جلست مشدوهًا أمام الحاسوب وأصابعي مشلولة، لا تقدر على أنّ تحول ضرباتها الخفيفة من على لوحة المفاتيح إلى كلمات تعبّر عن موقف وغضب وألم. كنت بحاجة لساعات طويلة حتى أسير بفكري وخيالي بعد أن قرأت المواد الإعلامية التي أصدرتها جمعية "السوار" حول الاعتداءات الجنسية، بمعطياتها المتصاعدة والصادمة.
"58 % من الاعتداءات الجنسية تحدث داخل إطار العائلة" هذا يحدث في مجمعنا، ما هذا الرقم الرهيب؟ ما هذه الحقيقة المخيفة؟ لا يهمني كيف يحلل المختصون النفسيون هذا السلوك المرضي والمقزّز، ولا متى تكوّنت العقد عند هؤلاء المجرمين، ولا تبرير هذه الجرائم بمفاهيم الحرمان والسيطرة والغرائز، يهمني حماية المعتدى عليهن ودعمهن نفسيًا، يهمني زجّ المعتدين في أعتم السجون. تصفعني تعاسة الحياة في تلك القصص، وقسوة المستنقع النفسي وكره الذات وتدميرها، وغول الفضيحة التي تكبّل لسان الضحية بسلاسل انعدام الحيلة.
هذا لا يعني طبعًا أن باقي جرائم الاعتداء الجنسي، بمستوياتها المختلفة، من التحرّش الكلامي والجسدي واستغلال علاقات القوة والنفوذ في العمل والمؤسسات والشبكات الاجتماعية الصغيرة، هي أقل إجرامًا، بل تقع في الخانة نفسها.
أكثر ما يستفز في ديناميكيات القوة هو تحميل المجتمع ذنب الجرم للضحية تلقائيًا، وفي هذا السياق، وضمن عقلية ترى بأن المرأة ثعبان شبق لالتهام تفاحة الخطيئة، وأنّ مجرّد ظهورها الجسدي أو الصوتي هو إغراء للرجال المساكين، وأنها غير مسيطرة على عواطفها وغرائزها ولذا يجب قمعها أو عدم تصديقها، في سياق كهذا، تدفن الجرائم في قبو الوعي العام. غالبًا ما يكون الموقف المجتمعي الأولي مشكّكا برواية المعتدى عليها وباحثًا عن ذنبها ومحملاً إياها المسؤولية لضعفها أو تواطئها مع الجريمة، فتغلغل ديناميكية القوة في نفوس الضحايا وتزرع الشكّ الذاتي فيهن وتضاعف المأساة المنسية.
لقد تابعنا خلال السنة الماضية الانفضاح العلني لقصة المجرم النمساوي الذي سجن ابنته في قبو بيته واغتصبها على مدار 24 عامًا، وأنجب منها ستة أطفال، وتابعنا أيضًا قصص جرائم الاغتصاب التي نفّذها الرئيس الفخري لإسرائيل ضد موظفاته، وتمتلئ أروقة المحاكم بالعالم بأطنان ملفات قضايا الاغتصاب والاستغلال الجنسي والتحرّش، وتغصّ البيوت والشوارع بأضعاف ما يصل للمحاكم. إنها ظاهرة "إنسانية"، أي أنها تعكس ما يحمل الإنسان من شرّ، وعليها أن تثير ما لدينا من خير كي نرفع وعيًا مجتمعيًا لكافة أشكال الاعتداءات، وعيا يشكل حصانة تكسر حواجز الخوف ودعمًا نفسيًا للضحايا وعقابًا للجناة.
يصرخ النشر حول ظاهرة الاعتداءات داخل العائلة في وجه كل من يجهلها أو يتجاهلها، ليحرّكه من سكونه وليأخذ له كأضعف الإيمان موقفًا واضحًا وحاسمًا. علينا نحن كنشطاء و كمثقفين، كأحزاب سياسية أن نقول كلمة ضد الاعتداءات الجنسية، وبالأساس ضد جميع المفاهيم التي تنظر للمرأة نظرة دونية وتجعلها تخاف من مجتمع يعنِّفها ويلومها على هذا العنف، ويلومها على الكشف عنه، ولا يحيّي بها الا الضعف والتضحية والصمت.
لن يرقى هذا المجتمع ولن يقاوم أي مضطهد، إلا إذا قاوم الاضطهاد بداخلة وحافظ على إنسانية أفراده.
ولنشجّع "السوار" ونقول: بورك عملكن، بورك دعمكن وزاد عطاؤكن.ونحن معكن
|